القصيدة والمجاز
القصيدة والمجاز
إبراهيم الوافي
المجاز هو أحد أبرز الأساليب البلاغية التي استخدمها الشعراء عبر العصور لإضفاء جماليات خاصة على النص الشعري، وهو وسيلة لتوسيع الدلالة وتكثيف المعنى عبر الخروج بالكلمات عن معانيها الحرفية إلى معانٍ جديدة تستند إلى التشبيه أو الاستعارة أو الكناية أو غيرها من الصور البلاغية. في القصيدة العربية الحديثة، اكتسب المجاز أبعادًا جديدة، إذ لم يعد مجرد أداة جمالية بل أصبح عنصرًا بنيويًا يعكس رؤية الشاعر للعالم، ويعبر عن التحولات الفكرية والفنية التي شهدها الشعر العربي الحديث ومع تطور الشعر العربي الحديث، خاصة مع حركة شعر التفعيلة وقصيدة النثر مع منتصف القرن العشرين، تغيرت وظيفة المجاز في القصيدة، فبعد أن كان يُستخدم في الشعر القديم غالبًا لتزيين المعنى وإثراء الصورة البيانية، صار في الشعر الحديث أداة جوهرية تعبر عن تعقيد التجربة الإنسانية وتشظي الرؤية لدى الشاعر الحديث بحيث يعكس التحولات الاجتماعية والسياسية والنفسية التي يمر بها الشاعر، ويكشف عن قلقه الوجودي ورؤيته للعالم بأسلوب أكثر تكثيفًا وتأثيرًا.
وبنظرة خاطفة لتجارب الشعراء الحداثيين مثل بدر شاكر السياب وأدونيس ومحمود درويش وسعدي يوسف وغيرهم على سبيل المثال نجد توسعاً في استخدام المجاز ليشمل دلالات رمزية وأسطورية، تضفي على نصوصهم بعدًا فلسفيًا ووجوديًا، وأداة تعبير عن المأساة الفردية والجماعية، تكشف صراعات الهوية والانتماء والحرية.
ولعل أهم أنواع المجاز في القصيدة الحديثة الاستعارة وقدرتها على تجديد الدلالة وإثراء المعجم اللغوي فهي بطبيعتها أبرز أشكال المجاز المستخدمة في القصيدة الحديثة، لكنها تطورت كثيراً ولم تعد تقتصر على التشبيهات المباشرة، بل أصبحت تتسم بالغموض والانزياح الدلالي.
يقول محمود درويش:
«وطني ليس حقيبة، وأنا لست مسافراً”
حيث تتحول “الحقيبة” هنا إلى رمز للغربة والتشرد، ويتحول “الوطن” إلى مفهوم أكثر تعقيدًا يتجاوز المعنى الجغرافي، مما يعكس تجربة المنفى التي عاشها الشاعر.
ومن أشكال المجاز الأخرى الرمزية والأسطورة، فقد استعان الشعراء الحداثيون بالرموز والأساطير لتكثيف المعنى وإضفاء بعد كوني على تجاربهم. كما هو السياب في رائعته «أنشودة المطر»، إذ يتحول المطر فيها إلى مجاز متعدد الأبعاد يرمز إلى الأمل والتجدد لكنه في الوقت ذاته يعكس الحزن بتجلياته الوجودية.
ومع تعمق استخدام المجاز في القصيدة الحديثة، أصبح الشعر أحيانًا أكثر غموضًا، حيث لم يعد يسعى إلى إيصال معنى مباشر بل يترك للقارئ مهمة التأويل والبحث عن الدلالات المخفية وبالتالي أثر بشكل كبير في تغيير مفهوم الشعر الحديث فلم يعد الشاعر الواعظ والمرشد بل ذلك الذي يحاول إعادة صياغة الوجود بشكل جمالي معتمداً على المجاز وتهويماته ودهشته.
الرياض
إبراهيم الوافي
المجاز هو أحد أبرز الأساليب البلاغية التي استخدمها الشعراء عبر العصور لإضفاء جماليات خاصة على النص الشعري، وهو وسيلة لتوسيع الدلالة وتكثيف المعنى عبر الخروج بالكلمات عن معانيها الحرفية إلى معانٍ جديدة تستند إلى التشبيه أو الاستعارة أو الكناية أو غيرها من الصور البلاغية. في القصيدة العربية الحديثة، اكتسب المجاز أبعادًا جديدة، إذ لم يعد مجرد أداة جمالية بل أصبح عنصرًا بنيويًا يعكس رؤية الشاعر للعالم، ويعبر عن التحولات الفكرية والفنية التي شهدها الشعر العربي الحديث ومع تطور الشعر العربي الحديث، خاصة مع حركة شعر التفعيلة وقصيدة النثر مع منتصف القرن العشرين، تغيرت وظيفة المجاز في القصيدة، فبعد أن كان يُستخدم في الشعر القديم غالبًا لتزيين المعنى وإثراء الصورة البيانية، صار في الشعر الحديث أداة جوهرية تعبر عن تعقيد التجربة الإنسانية وتشظي الرؤية لدى الشاعر الحديث بحيث يعكس التحولات الاجتماعية والسياسية والنفسية التي يمر بها الشاعر، ويكشف عن قلقه الوجودي ورؤيته للعالم بأسلوب أكثر تكثيفًا وتأثيرًا.
وبنظرة خاطفة لتجارب الشعراء الحداثيين مثل بدر شاكر السياب وأدونيس ومحمود درويش وسعدي يوسف وغيرهم على سبيل المثال نجد توسعاً في استخدام المجاز ليشمل دلالات رمزية وأسطورية، تضفي على نصوصهم بعدًا فلسفيًا ووجوديًا، وأداة تعبير عن المأساة الفردية والجماعية، تكشف صراعات الهوية والانتماء والحرية.
ولعل أهم أنواع المجاز في القصيدة الحديثة الاستعارة وقدرتها على تجديد الدلالة وإثراء المعجم اللغوي فهي بطبيعتها أبرز أشكال المجاز المستخدمة في القصيدة الحديثة، لكنها تطورت كثيراً ولم تعد تقتصر على التشبيهات المباشرة، بل أصبحت تتسم بالغموض والانزياح الدلالي.
يقول محمود درويش:
«وطني ليس حقيبة، وأنا لست مسافراً”
حيث تتحول “الحقيبة” هنا إلى رمز للغربة والتشرد، ويتحول “الوطن” إلى مفهوم أكثر تعقيدًا يتجاوز المعنى الجغرافي، مما يعكس تجربة المنفى التي عاشها الشاعر.
ومن أشكال المجاز الأخرى الرمزية والأسطورة، فقد استعان الشعراء الحداثيون بالرموز والأساطير لتكثيف المعنى وإضفاء بعد كوني على تجاربهم. كما هو السياب في رائعته «أنشودة المطر»، إذ يتحول المطر فيها إلى مجاز متعدد الأبعاد يرمز إلى الأمل والتجدد لكنه في الوقت ذاته يعكس الحزن بتجلياته الوجودية.
ومع تعمق استخدام المجاز في القصيدة الحديثة، أصبح الشعر أحيانًا أكثر غموضًا، حيث لم يعد يسعى إلى إيصال معنى مباشر بل يترك للقارئ مهمة التأويل والبحث عن الدلالات المخفية وبالتالي أثر بشكل كبير في تغيير مفهوم الشعر الحديث فلم يعد الشاعر الواعظ والمرشد بل ذلك الذي يحاول إعادة صياغة الوجود بشكل جمالي معتمداً على المجاز وتهويماته ودهشته.
الرياض