• ×
admin

إيليّا أبوماضي وإحْساسُه المرهف بالجمال

إيليّا أبوماضي وإحْساسُه المرهف بالجمال

عبدالله العولقي

اليوم نحن مع قصيدة من أروع ما كتب شاعر المهجر إيليّا ضاهر أبوماضي ، تتعلق باحساسه المفرط تجاه الجمال والبهاء ، ولد الشاعر في قرية المحيدثة بلبنان عام 1889م ، وهذا العام يسميه الكاتب الراحل أنيس منصور بميلاد العظماء حيث ولد فيه نخبة من مشاهير العلم والثقافة والسياسة لعل أشهرهم أدولف هتلر وشارلي شابلن ونجيب الريحاني وابراهيم المازني والفيلسوف الفرنسي جابريل مارسيل ومارتن هيدجر والمؤرخ عبدالرحمن الرافعي وطه حسين وعباس محمود العقاد بالإضافة إلى شاعرنا الكبير إيليا أبوماضي !!

عاش الشاعر في بيئة فقيرة وصعبة جداً فاضطرته الظروف للهجرة إلى الإسكندرية عام 1900م ، وهناك اشتغل في كشك صغير يبيع الصحف والسجائر، وفي هذا المحل الصغير أدْركته حرفة الأدب فتولّعت نفسه في نظم الشعر والقصائد، ، فكان يلتهم الأشعار ويحفظها عن ظهر قلب ، ويدمن مطالعة دواوين الشعراء القدماء ليتعرّف من خلالها على أساليب النظم واستلهام المعاني وخلق الأفكار والصور الشعرية، ففي أعمدة تلك الصحف التي يبيعها في الكشك كان يصدح كبار شعراء الوطن العربي بقصائدهم الجزلة في ذلك الوقت ، يتقدمهم أمير الشعراء أحمد شوقي وشاعر النيل حافظ إبراهيم وعلي محمود طه وغيرهم ، ومن هنا نستطيع القول إن إليّا أبوماضي قد بنى نفسه بنفسه ، فكل السبل أمامه لمْ تكن لتؤهّله أن يكون شاعراً بارزاً في فضاء الثقافة العربية لكنّ حبه للشعر والأدب كان متوقداً في نفسه وجعله يتغلب على كل هذه المتاعب ، كان سلاحه الوحيد الوقت ولا شيءٍ غير الوقت، فقد أدرك أن الزمن سلاح لا يقدر بثمن، فكان يقضي وقت فراغه في الكشك منهمكاً في القراءة والإطلاع وحفظ القصائد، وظلّ على هذه الحال حتى اكتسب ثقافة أدبية واسعة، لم يمنعْه جسدُه الضئيل ولا صحته البائسة أمام حلمه لأن يصبح شاعراً يُشار له بالبنان، وعندما سنحت له الفرصة بالهجرة إلى الولايات المتحدة الأمريكية لمْ يتردّد في ذلك ، فركب البحر ليُلقي عصا ترحاله في مدينة نيويورك الأمريكية حيث عمل هناك في جريدة (مرآة الغرب) ثم أصدر بنفسه جريدة (السّمير) سنة 1929م ، ولو تأملنا انتاج أبي ماضي الأدبي لوجدنا نبوغه الشعري الابداعي وتميزه الأدبي الخطير كان في آخر عمره ، فابداعاته العظيمة جاءت وهو في سنٍ متأخرةٍ ومنها هذه القصيدة البديعة التي يقول في مطلعها :

أنا لستُ في دنيا الخيالِ ولا الكرى وكأنني فيها لروعة ما أرى

يا قوم هل هذي حقائق أمْ رؤى ؟

وأنا أصاحٍ أم شربتُ مُخدِّرا ؟

في هذه القصيدة تَظْهر حقيقة أبي ماضي النفسية والشاعرية ، وأعني إحساسه المفرط تجاه الجمال والبراءة ، وذائقته المرهفة تجاه الطبيعة الخضراء، فقد ساقته الظروف أن يزور الرّيف في ولاية لوس انجلوس الأمريكية وهناك لمْ يستطعْ مقاومة الطبيعة الخضراء فكانت هذه القصيدة البديعة، والتي جاءت معظم أبياتها تعبِّر بصورةٍ عشوائيةٍ عن الدهشة الطفولية البريئة التي أصابت نفس الشاعر عندما شاهد الروعة الفطرية في تصميم الطبيعة الخلابة التي أوجدها الخالق سبحانه وتعالى، وبعد سلسلةٍ طويلةٍ من وصف المروج الخضراء والطبيعة الفاتنة تحوّل الشاعر من الرؤية الجمالية للخارج إلى الرؤية الجماليّة في الداخل، أي الجمال الكامن في نفسه، فشرع يبرّر للآخر المتلقي أسباب هذه الدهشة الطفولية، ويستحضر جماليات ذاته الغارقة في تذوِّق الإبداع والفن والجمال، وهنا تحْضر الأنا الشّاعرة والمعتدّة بنفسها :

أنا شاعرٌ ما لاحَ طيفُ ملاحةٍ

إلا وهلّل للجمالِ وكبّرا

وزّعتُ نفسي في النفوس محبةً

لا شاكياً ألماً ولا مُتضجِّرا

ومشيتُ في الدنيا بقلبٍ يابسٍ

حتى لقيتُ أحبتي فاخْضوضرا

قد كنتُ أحسبني كياناً ضائعاً

فإذا أنا شخصٌ يعيش مكرّرا

لو تأمّلنا سيرَ خط القصيدة لوجدناها تبدأ بدهشة الشاعر من مناظر الطبيعة البكْر ثم ينتقل إلى الأنا التي تفسّر براءة الدهشة ليعود بعد ذلك في نهاية القصيدة لوصْف هذه الطبيعة وخصوصاً الأشجار المثمرة وكرمها الفطري لقاصديها في بذل ثمارها اليانعة :

ما أكرم الأشجار في هذي الحمى

فيها لقاصدها البشاشة والقِرى

تُقْري الفقير على خصاصة حاله

كرماً كما تُقري الغني الموسرا

البذلُ ديدنها سواءً جئتها

متقدِّماً أم جئتها متأخرا

فالقصيدة عموماً في غرض الوصف، والوصف كماهو معروف عند النقاد هو جوهر الشعر ، فالأغراض الشعرية الأخرى إنما انبثقت منه إن صح التعبير ، فمثلاً إذا وصفت الآخر بالسمات الطيبة فقد مدحته وإن أنت نفيتها عنه فقد هجوته، وإن وصفت شمائل قومك فقد افتخرت بهم وهكذا، فالوصف هو الفنُّ الحقيقي للشعر ومن هنا ذكر النقاد القدماء في معرض المقارنة بين شعراء العصر العبّاسي الثاني أنّ أبا تمام والمتنبي حكيمان أما الشاعر الحقيقي فهو البُحْتري ، فا لمعيار هنا الوصْف والذي كان البحتري بارعاً ومتفوقاً فيه ، أما المتنبي وأبوتمام فقد تأثرا بحركة المنطق الفلسفية التي كانت سائدة آنذاك فامتلأ ديوانهما بشعر الحكمة ، وإذا عدْنا إلى قصيدة أبي ماضي ووصْفه المبهر للطبيعة في ريف لوس أنجلوس الأمريكية لوجدنا غياب المنطق الفكري في ترتيب تلك الدهشة النفسية ، فربّما جاءت أبياتُ الشاعر عشوائية وعفويةً فاضطربت نفسُه المرْهفة أمام هذا الجمال البديع :

لا تعْجبوا من دهشتي وتحيّري

وتعجّبوا إنْ لمْ أكنْ مُتحيِّرا

خلَعَ الزّمان شبابه في أرضها

فهو اخضرارٌ في السُّفوحِ وفي الذرى

هي واحةٌ للمتعبين وجنةٌ

للعاشقين وملعبٌ لذوي الثرى

هكذا يعبر أبوماضي عن براءة إحْساسه الجمالي فهو إذنْ يكره الحسن المزيّف :

إني شهدت الحُسْن غير مُزيّفٍ

بئْس الجمالُ مزيّفاً ومُزوّرا

ويصل مدى اعجاب الشاعر بالطبيعة إلى عجْزه عن وصْفها :

حاولتُ وصْفَ جمالها فكأنّني

طفلٌ بأنملهِ يحوشُ الأبْحُرا

واستنْجَدتْ روحي الخيالِ فخانني

وكبا جوادُ فصاحتي وتعثّرا

أدركتُ تقصيري وضعْفيَ عندما

أبْصرتُ ما صَنعَ الإله وصَوّرا

وهذه الأبيات كان من الأولى بالتراتب المنطقي أن تكون خاتمة القصيدة لبلوغها منتهى السّردية بالعجز والاستحالة عن وصْف ذلك الجمال الساحر لكنّ أبيات القصيدة كما قلنا لم تجيء بالعموم خاضعة لتراتبية أو سردية معينة وإنما جاءت كلها انبهاراً متكرراً لا يخضع لهندسية تراتبية معينة في وصف الطبيعة ولا يُلام الشاعرُ حقيقةً في ذلك كون نفسه لا تهتمّ بهذه التراتبية ، فهي تخضع لنظام الحساسيّة الذاتية المُفْرطة تجاه جمال الطبيعة وهذا النظام النفسي يرتبك دائماً أمام الحُسْنِ والجمال بل إنه يتعارض ولا يتفق على الإطلاق مع نظام التسلسل التراتبي أو المنطق !!.

يبتدأ الشاعر قصيدته بالأنا الشاعرية، وهذه عادة معروفة عند الشاعر تتكرر معه في بعض قصائده ، كقصيدته التي يقول في مطلعها (أنا لست بالحسناء أول مولعٍ) وقصيدته ( أنا من أنا يا ترى في هذا الوجود) وكذلك (إني مررت على الرياض الحالية) ، وأيضاً (أروي لكم عن شاعرٍ ساحر) و(أنا إن أغمض الحمام جفوني) و(إني سكت وما عدمت المنطقا) وغيرها كثير، أما القصيدة فقد جاءت في 41 بيتا، ولو تأملنا نَفَس الشاعر في ديوانه لوجدناه قصيراً أو متوسطاً في النفس الشعري ، فقصائده تقريباً إما قصيرة بين (10-25) بيتاً أو متوسطة بين (35-50) بيتاً ، وقليلاً ما يتجاوز ذلك ، فهو إذنْ ليس من أصحاب المطوّلات الشعرية، أمّا لو درسنا موسيقاه الشعرية لوجدنا الشاعر لا يهتم كثيراً بنظام الأوزان الخليلية بالصورة الدقيقة بل نجده متمرداً خارجاً عن السياق العروضي كثيراً ، وذات الأمر يقال عن التراكيب والقواعد النحوية لكن القارئ رغم ذلك كله يقرأ أعماله الشعرية دون أنْ يحسّ بهذا الخلل ، والأمر يعود إلى الشاعرية العظيمة التي يبثّها أبوماضي بقوّة داخل شعره وقصائده فتأخذ بعقل المتلقي تجاه الإحساس بفكرها الراقي والتلذذ بمعانيها السامية لتجعله -لا إرادياً- لا يحسُّ بأي خللٍ أو نشازٍ في موسيقى الوزن العروضي !!، ومما يساعده في هذا الأمر ثقافته اللغوية الغزيرة ومعجمه الشاعري الثري ولذا نجد القوافي عنده غير قلقةٍ ولا متنافرةٍ بل سلسة ومتجانسة مع سياق الأبيات .

في هذه القصيدة تتناسق الألفاظ مع المعاني فيتكرر اللون الأخضر وما يتعلق به وهذا أمر طبيعي يتجانس مع سيرورة فكرة القصيدة ، فنجده مثلاً يصف قلبه بالاخضرار المعنوي عند لقاء أحبابه (حتّى لقيتُ أحبّتي فاخْضَوضَرا) كما أنه لون الطبيعة الكاملة ( فهو اخضرارٌ في السُّفوح وفي الذرى) وهو أيضاً لون الربيع ( كلُّ الفصولِ ربيعٌ ضاحك) وهو لون الجنة ( وجنة للعاشقين ) ( قل للألى وصفوا الجنان ) وهكذا ، وفيها يكثر وصف الماء وهذا الأمر طبيعي أيضاً ويتفق مع سياق الفكرة الرئيسية ( وتأمل الغُدْران تجري كوثرا) (طفلٌ بأنْمُلهِ يحُوش الأبْحُرا) وهكذا .

كما نجد الشاعر في تجربته الشعرية البديعة ومن أعماق اللاوعي الشعري يصْنع تغذيةً فنيةً بديعةً لجميع الحواس عند المتلقي ، فالفكرة الأساسية للقصيدة تدور حول انبهار الشاعر مما رآه من جمال الطبيعة ، وحتى ينقل الشاعر ذلك الإحساس للمتلقي فإنه يصنع تغذيةً مباشرةً لجميع الحواس عند القارئ ، فنجده مثلاً يقول : وانظرْ إلى الغبراء تنبتُ سنْدساً ( العين ) ، ويقول : وانصتْ لوشْوشة النّسيم إذا سرى ( الأذن ) ، ويقول: وتأمّل الغدرانَ تجْري كوثرا ( العقل ) ، ويقول : واشربْ بعينيك الجمال ( الذوق ) ، وهكذا ، فالمحصلة النهائية أن الشاعر هنا يضْرب حصاراً متكاملاً لحواس المتلقي حتى ينقلَ له مدى الإحساس الشاعري الفطري عنده ، كما أن الشاعر بخبرته العميقة أيضاً استعمل أسلوباً آخر تجاه لفْتِ انتباه المتلقِّي لهذا الإحْساس ، فقد استعملَ بخبْرته الفنية تشكيلةً متنوعةً من صيغ خطابِ الآخر المتنوّعة بالنداء والنفي والأمر والشرط والتي امتلأت بها أبيات القصيدة ، فهو يقول مثلاً : يا قوم ، لا تعْجبوا ، قل للألى ، إنْ كنت تجْهل ، وهكذا ،، هذه الخطابات كلها تستند في فائدتها إلى لفت انتباه الآخر نحو إحْساس الشاعر المفرط للطبيعة ، وقد أبدع الشاعر الكبير في خطابه الشعري وأجاد أيما إجادة.

الجزيرة
بواسطة : admin
 0  0  6