رمضان لحفظ النعمة.. أم لإهدارها؟!
رمضان لحفظ النعمة.. أم لإهدارها؟!
فاتن محمد حسين
في مقطع فيديو انتشر مؤخراً، وقد صوّره معتمر هندي في جوانب المسجد الحرام، وصوَّر مئات من أطباق الأرز والأطعمة الملقاة على جوانب الطرقات، وبالقرب من مكب النفايات، وكان العنوان باللغة الأوردية: (كهانا ضائع مت كرين) للفت الانتباه للهدر، وإساءة حفظ النعمة.. وفي ترجمة المقطع، وجدتُ رسالة بليغة وعظيمة للمسلمين تقول: «إنه نداء مُوجَّه إلى جميع قاصدي بيت الله الحرام ليُقدِّروا نعمة الطعام.. انظروا ماذا يفعل هؤلاء، يأخذون اللحم، ثم يتركون الأرز متناثرا هنا وهناك.. ولا يُدركون أن معنى ذلك، الإسراف وعدم شكر النعمة.. وقد يكون سبباً في زوالها عقوبة من الله.. إنه طعام يُقدَّم تبرعاً من أهل الخير طلباً للأجر والثواب، ولكن المؤسف أن الناس لا يُقدِّرون النعمة».
وحقيقةً، ما تقوم به الجمعيات الخيرية، وبدعمٍ متواصل من أهل الخير، وخاصة أهالي مكة المكرمة الذين كانت لهم السقاية والرفادة منذ الأزل، وتوارث العرب هذه المهام التاريخية والاجتماعية، وحظوا بشرف خدمة وفود الحجيج، هي من قِيَم الشهامة والكرم المتأصلة فينا، وسمة من سمات المجتمع المكي.. ولكن نرى للأسف بعض المظاهر السلبية من بعض الحجاج والمعتمرين في رمي الأطعمة.. وأعتقد أن مثل هذا الفيديو يجب أن يُوضع ضمن البرامج التوعوية في جميع الرحلات القادمة من الخارج، وخاصة للقادمين على متن الخطوط السعودية، للتوعية بعدم رمي النعمة، والمحافظة على البيئة.. ولكن دعونا نكون أكثر صراحة وواقعية؛ فالمعتمر أو الحاج لا يستطيع حمل بقايا الوجبة الساخنة.. وبالتالي فهو يتركها.. مُخلِّفاً وراءه نفايات تضر بالبيئة والصحة، وتشوّهات بصرية لا حد لها.. ولكن، لماذا لا تكن جميع الوجبات بجوار المسجد الحرام والطرقات المؤدية له، وجبات جافة، يمكن حمل المتبقي منها، وأن تُخصَّص الوجبات الساخنة فقط في أماكن سكن المعتمرين والحجاج، وبذلك نحافظ على قِيَم إكرام الضيف، وفي نفس الوقت نحافظ على النعمة، التي ربما بسبب هدرها، ينزل علينا سخط الله وعقوبته.
ولا ننكر أن أمانة العاصمة المقدسة تبذل جهوداً كبيرة في تنظيم العمل الخيري في مكة المكرمة، ممثلة في لجنة السقاية والرفادة؛ ووضعت ضوابط منذ عام 1438هـ، ومن ذلك التاريخ، طالبت اللجنة تحديد الأماكن لكل جمعية خيرية التي سوف تُقدِّم فيها وجبة إفطار صائم.. حتى لا تتكدَّس الوجبات في أماكن بعينها، وتقل في أخرى.. حتى التمر يجب أن يكون منزوع النوى داخل المسجد الحرام، وغيرها من الضوابط.. ومع ذلك نرى أن العديد من الجمعيات الخيرية لا تلتزم.
لذا لابد أن تكون هناك رقابة صارمة حتى نتلافى السلبية والعشوائية في التوزيع، حيث إن بعض الجمعيات ليس من أهدافها توزيع الوجبات، ولكننا نرى أنها في موسم رمضان تنشط وتقوم بالتوزيع، وقد تكون سبباً في تكدس الوجبات.. وعلى مراقبي أمانة العاصمة تكثيف المراقبة الدقيقة، ووضع غرامات على التوزيع العشوائي.. وأن تخصص جهة مسؤولة عن جمع فائض الوجبات وفرزها، وتسليمها لجهات حفظ النعمة.
كما أن الإعلانات المكثفة عن أنشطة الجمعيات الخيرية؛ بعضها يأتي من مدن بها فقراء متعفّفون، هُم أولى بتقديم وجبات إفطار صائم لأهلها.. هناك آخرون يحثون على التبرع في مواقع التواصل الاجتماعي وببدعة جديدة: أن فاعل خير قد تبرع بـ (50.000) ريال لكل من نشر هذا المقطع.. وهو على ما أظن أنه تآله على الله سبحانه وتعالى؛ بجعل مَن ينشر مقطع، يُمنَح ثواب مَن تبرَّع وشارك في العمل.
وهناك نقطة أخرى مهمة، وهي البوفيهات المفتوحة في الفنادق والمطاعم، ووضع الشخص كميات كبيرة من الطعام في طبقه، ثم يترك الباقي يذهب إلى حاويات النفايات، وهذا أمر لا يُرضي الله ورسوله.. بل حتى في المجتمعات والثقافات الأخرى نجده أمرٌ مرفوض تماماً؛ وأذكر قصة رواها أحدهم، أن عدة أشخاص سعوديين ذهبوا لمطعم في ألمانيا، وطلبوا أطعمة كثيرة، وأكلوا القليل، ثم تركوا الباقي على المائدة، وأثناء خروجهم وُضِعَت عليهم غرامة بـ (١٠٠ يورو) لكل فرد؛ حيث قال لهم مدير المطعم: الطعام لكم، ولكنكم استنزفتم موارد الدولة بهذه الكميات.. وهذا ما يجب أن يُطبَّق بكاميرات المراقبة، فهذا الطعام هو هدر لاقتصاديات الدولة.
فالهدر الغذائي في مجتمعنا يُكلِّف نحو 40 مليار ريال سنوياً، حسب وزارة البيئة والمياه والزراعة، ويعد ارتفاع الهدر الغذائي تحدياً كبيراً على مستوى الاقتصاد الوطني والصحة والبيئة؛ كما أن معدلات الهدر تتضاعف في شهر رمضان المبارك، وهذا يدق ناقوس الخطر بمسائل الأمن الغذائي.. ولكن ماذا لو كل واحد منَّا تصرَّف في إطار الآية الكريمة: (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ)، فهل نستيقظ جميعاً، ونجعل حفظ النعمة أسلوب حياة يُحبنا الله تبارك وتعالى به، ولإثبات الوطنية والانتماء أيضاً؟!.
المدينة
فاتن محمد حسين
في مقطع فيديو انتشر مؤخراً، وقد صوّره معتمر هندي في جوانب المسجد الحرام، وصوَّر مئات من أطباق الأرز والأطعمة الملقاة على جوانب الطرقات، وبالقرب من مكب النفايات، وكان العنوان باللغة الأوردية: (كهانا ضائع مت كرين) للفت الانتباه للهدر، وإساءة حفظ النعمة.. وفي ترجمة المقطع، وجدتُ رسالة بليغة وعظيمة للمسلمين تقول: «إنه نداء مُوجَّه إلى جميع قاصدي بيت الله الحرام ليُقدِّروا نعمة الطعام.. انظروا ماذا يفعل هؤلاء، يأخذون اللحم، ثم يتركون الأرز متناثرا هنا وهناك.. ولا يُدركون أن معنى ذلك، الإسراف وعدم شكر النعمة.. وقد يكون سبباً في زوالها عقوبة من الله.. إنه طعام يُقدَّم تبرعاً من أهل الخير طلباً للأجر والثواب، ولكن المؤسف أن الناس لا يُقدِّرون النعمة».
وحقيقةً، ما تقوم به الجمعيات الخيرية، وبدعمٍ متواصل من أهل الخير، وخاصة أهالي مكة المكرمة الذين كانت لهم السقاية والرفادة منذ الأزل، وتوارث العرب هذه المهام التاريخية والاجتماعية، وحظوا بشرف خدمة وفود الحجيج، هي من قِيَم الشهامة والكرم المتأصلة فينا، وسمة من سمات المجتمع المكي.. ولكن نرى للأسف بعض المظاهر السلبية من بعض الحجاج والمعتمرين في رمي الأطعمة.. وأعتقد أن مثل هذا الفيديو يجب أن يُوضع ضمن البرامج التوعوية في جميع الرحلات القادمة من الخارج، وخاصة للقادمين على متن الخطوط السعودية، للتوعية بعدم رمي النعمة، والمحافظة على البيئة.. ولكن دعونا نكون أكثر صراحة وواقعية؛ فالمعتمر أو الحاج لا يستطيع حمل بقايا الوجبة الساخنة.. وبالتالي فهو يتركها.. مُخلِّفاً وراءه نفايات تضر بالبيئة والصحة، وتشوّهات بصرية لا حد لها.. ولكن، لماذا لا تكن جميع الوجبات بجوار المسجد الحرام والطرقات المؤدية له، وجبات جافة، يمكن حمل المتبقي منها، وأن تُخصَّص الوجبات الساخنة فقط في أماكن سكن المعتمرين والحجاج، وبذلك نحافظ على قِيَم إكرام الضيف، وفي نفس الوقت نحافظ على النعمة، التي ربما بسبب هدرها، ينزل علينا سخط الله وعقوبته.
ولا ننكر أن أمانة العاصمة المقدسة تبذل جهوداً كبيرة في تنظيم العمل الخيري في مكة المكرمة، ممثلة في لجنة السقاية والرفادة؛ ووضعت ضوابط منذ عام 1438هـ، ومن ذلك التاريخ، طالبت اللجنة تحديد الأماكن لكل جمعية خيرية التي سوف تُقدِّم فيها وجبة إفطار صائم.. حتى لا تتكدَّس الوجبات في أماكن بعينها، وتقل في أخرى.. حتى التمر يجب أن يكون منزوع النوى داخل المسجد الحرام، وغيرها من الضوابط.. ومع ذلك نرى أن العديد من الجمعيات الخيرية لا تلتزم.
لذا لابد أن تكون هناك رقابة صارمة حتى نتلافى السلبية والعشوائية في التوزيع، حيث إن بعض الجمعيات ليس من أهدافها توزيع الوجبات، ولكننا نرى أنها في موسم رمضان تنشط وتقوم بالتوزيع، وقد تكون سبباً في تكدس الوجبات.. وعلى مراقبي أمانة العاصمة تكثيف المراقبة الدقيقة، ووضع غرامات على التوزيع العشوائي.. وأن تخصص جهة مسؤولة عن جمع فائض الوجبات وفرزها، وتسليمها لجهات حفظ النعمة.
كما أن الإعلانات المكثفة عن أنشطة الجمعيات الخيرية؛ بعضها يأتي من مدن بها فقراء متعفّفون، هُم أولى بتقديم وجبات إفطار صائم لأهلها.. هناك آخرون يحثون على التبرع في مواقع التواصل الاجتماعي وببدعة جديدة: أن فاعل خير قد تبرع بـ (50.000) ريال لكل من نشر هذا المقطع.. وهو على ما أظن أنه تآله على الله سبحانه وتعالى؛ بجعل مَن ينشر مقطع، يُمنَح ثواب مَن تبرَّع وشارك في العمل.
وهناك نقطة أخرى مهمة، وهي البوفيهات المفتوحة في الفنادق والمطاعم، ووضع الشخص كميات كبيرة من الطعام في طبقه، ثم يترك الباقي يذهب إلى حاويات النفايات، وهذا أمر لا يُرضي الله ورسوله.. بل حتى في المجتمعات والثقافات الأخرى نجده أمرٌ مرفوض تماماً؛ وأذكر قصة رواها أحدهم، أن عدة أشخاص سعوديين ذهبوا لمطعم في ألمانيا، وطلبوا أطعمة كثيرة، وأكلوا القليل، ثم تركوا الباقي على المائدة، وأثناء خروجهم وُضِعَت عليهم غرامة بـ (١٠٠ يورو) لكل فرد؛ حيث قال لهم مدير المطعم: الطعام لكم، ولكنكم استنزفتم موارد الدولة بهذه الكميات.. وهذا ما يجب أن يُطبَّق بكاميرات المراقبة، فهذا الطعام هو هدر لاقتصاديات الدولة.
فالهدر الغذائي في مجتمعنا يُكلِّف نحو 40 مليار ريال سنوياً، حسب وزارة البيئة والمياه والزراعة، ويعد ارتفاع الهدر الغذائي تحدياً كبيراً على مستوى الاقتصاد الوطني والصحة والبيئة؛ كما أن معدلات الهدر تتضاعف في شهر رمضان المبارك، وهذا يدق ناقوس الخطر بمسائل الأمن الغذائي.. ولكن ماذا لو كل واحد منَّا تصرَّف في إطار الآية الكريمة: (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ)، فهل نستيقظ جميعاً، ونجعل حفظ النعمة أسلوب حياة يُحبنا الله تبارك وتعالى به، ولإثبات الوطنية والانتماء أيضاً؟!.
المدينة